الاثنين، 27 مايو 2013

بطولات ابن تيمية في جهاد أعداء الإسلام [سلطان العُميري].

فحين دخل التتار بلاد المسلمين لم يتردد العلماء ومنهم ابن تيمية في وجوب محاربتهم والتصدي لهم , بل ابن تيمية يؤكد ذلك الوجوب , ويقول :"قتال هؤلاء واجب بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق المسلمين" ثم بين الأصول التي يقوم عليها ذلك الحكم , وجمع الأدلة الشرعية التي يعتمد عليها في فتواه .



لازلت الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل تتعرض للغزو والتخريب والتقتيل والنهب من أعدائها في الداخل وفي الخارج , وما زالت مشاهد الخراب في بلاد الإسلام تتكرر على مسامع المسلمين وأبصارهم .


وفي مقابل تلك المناظر المؤلمة والمشاهد المحزمة لا زالت أرحام نساء الأمة الإسلامية تنجب لنا الأبطال تلو الأبطال , وتخرج لنا أجيالا من الصادقين العاملين من جميع طبقات المجتمع , من الرجال والنساء والشباب والشيوخ .


وعلى مر تلك المصائب المدلهمة النازلة على الأمة الإسلامية كان للعلماء الصادقين العاملين دور كبير في تثبيت المسلمين وفي إزالة ما حلّ بهم , فبادروا إلى بيان المواقف الشرعية المتعلقة بتلك النوازل , وسعوا إلى تقوية جأش المسلمين , وتعبئة صفوف المجاهدين , وخاطبوا الأمراء والملوك ودعوهم إلى الجهاد في سبيل الله والدفاع عن حياض المسلمين وألزموهم بذلك , ولم يكتفوا بمجرد التحريض والتشجيع , وإنما شارك كثير منهم في قتال الأعداء , وبذلوا أموالهم ونفوسهم رخيصة في سبيل الله , فمنهم من قضى نحبه وفاز بالشهادة في سبيل الله , ومنهم من لم يرزق الشهادة فبقي يعلم الناس ويدعوهم ويرشدهم .


ومن أولئك العلماء الصادقين المجاهدين بنفسه وماله وقلمه : العالم الجليل ابن تيمية , فقد كانت له مشاهد معلومة ومواقف عظيمة في جهاد التتار الذين غزوا بلاد المسلمين في زمانه , فخربوا وقتلوا ونهبوا وسرقوا , ويلخص ابن فضل العُمري ما حصل من ابن تيمية فيقول :"وحكي من شجاعته في مواقف الحرب نوبة شقحب ونوبة كسروان ما لم يُسمع إلا عن صناديد الرجال وأبطال اللقاء وأحلاس الحرب , تارة يباشر القتال , وتارة يحرض عليه , وركب البريد إلى مهنا بن عيسى واستحضره إلى الجهاد , وركب بعدها إلى السلطان واستنفره , وواجه بالكلام الغليظ أمراءه وعسكره , ولما جاء السلطان إلى شقحب لاقاه إلى قرن الحرة وجعل يشجعه ويثبته".


ولا بد من التأكيد على أن الاقتصار على مواقف ابن تيمية ليس المقصود منها التنكر لمواقف العلماء الآخرين ولا التقليل من شأنها , وإنما كان التركيز على مواقفه لكثرتها ولمناسبة كثير منها لما هو واقع في عصرنا ؛ ولأن لكلامه وتقريره ومواقفه تأثير بليغ على قطاع كبير من علماء المسلمين وشبابهم.


ابن تيمية يتوجه إلى الأمراء والملوك ويعظهم :


حين توجه غازان – أحد ملوك التتار الذين ادعوا الإسلام – إلى الشام وقصد غزوها توجه إليه ابن تيمية مع عدد من علماء المسلمين ووجهائهم يحذرونه من مغبة فعله , وكان مما قال له ابن تيمية :" أنت تزعم أنك مسلم ومعك مؤذنون وقاضٍ وإمام وشيخ على ما بلغنا , فغزوتنا وبلغت بلادنا على ماذا ؟! وأبوك وجدك هلاكو كانا كافرين وما غزوا بلاد الإسلام، بل عاهدوا قومنا، وأنت عاهدت فغدرت , وقلت فما وفيت" .


وحذره من قتل المسلمين وأخذ أموالهم , وحين قدّم لهم الطعام أبى ابن تيمية الأكل منه , فقيل له : ألا تأكل ؟! فقال : كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتموه من أغنام المسلمين , وطبختموه بما قطعتموه من أشجارهم .


وكان في أثناء حديثه لغازان يرفع صوته ويقترب منه حتى كادت ركبته تلاصق ركبة السلطان يحذره ويخوفه , فخافه السلطان وأنصت له , وحين خرجوا منه عنده قال له أصحابه :" كدت تهلكنا وتهلك نفسك" .


هكذا يضرب ابن تيمية أروع الأمثلة في مواجهة الأمراء المستخفين بأموال المسلمين ودمائهم.


وحين تأخر سلطان مصر عن الخروج بالجيوش ضد التتار في الشام وتلكأ عن نصرة المسلمين توجه إليه ابن تيمية حتى وصل مصر واستحث السلطان ومن معه على القتال والجهاد في سبيل الله , وقال للسلطان عبارة قوية وصريحة جدا :" إن كنتم أعرضتهم عن الشام وحمايتها أقمنا سلطانا يحوطه ويحميه " .


وقال له في كلام صريح وواضح :" لو قُدر أنكم لستم حكام الشام وملوكه واستنصركم أهله وجب عليكم النصر , فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه؟!!" .


ولم يزل بهم يحثهم ويعظهم حتى خرجت جحافل جيوش المسلمين من مصر وتلاقت رايات المسلمين في الشام , "ففرح الناس فرحا شديدا بعد أن كانوا قد يئسوا من أنفسهم وأهليهم وأموالهم" .


وهنا يكشف ابن تيمية عن عمل عظيم من الأعمال التي يجب أن يقوم بها العلماء , وهو التأثير على الأمراء المترددين والمتخاذلين وإلزامهم بالدفاع عن بلاد المسلمين وتقديم مصلحة الإسلام على المصالح الشخصية , وأنه يجب أن تكون مواقف العلماء هي المؤثرة على قرارات السياسي وليست قراراته هي المؤثرة على مواقفهم .


ابن تيمية يحرض على الجهاد ضد الأعداء ويحث المسلمين عليه :


حين توجه التتار إلى بلاد المسلمين أقام ابن تيمية ميعادا سنة 697هـ للجهاد في سبيل الله حرض فيه وبالغ في أجور المجاهدين , وكان ميعادا حافلا جليلا , أشعل فيه روح الانتصار في نفوس المسلمين .


وحين انزعج الناس سنة 700 هـ من توجه التتار إلى بلاد الشام وأخذوا يبيعون متاعهم ويتأهبون للهرب , قام ابن تيمية بمجلسه في الجامع وحرض الناس على القتال وساق لهم الآيات والأحاديث الواردة في فضل الجهاد ووجوبه , ونهى عن الإسراع في الفرار ورغب في إنفاق أجرة الهرب في الجهاد , وأوجب جهاد التتار وألزم به .


وتوجه إلى العسكر القادم من حماة فاجتمع بهم , وحثهم وثبتهم ورفع من معنوياتهم , وبين الأجر العظيم الذي وُعدوا به.


وكان يذهب إلى المجاهدين في سبيل الله ويجتمع بهم كثيرا ويبيت عندهم ويعظهم ويقوي من جأشهم , ويعدهم بالنصر ويبشرهم الغنيمة ويذكر لهم ما ينتظرهم من الجزاء عند الله في الجنة , بل إنه في بعض المواقف يقسم لهم ويقول : والله إنكم منصورون , فيقولون له : قل : إن شاء الله , فيقول : إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا .


وابن تيمية في هذا الموقف يكشف لنا بأن الأدوار التي يقوم بها العلماء ليست منحصرة في جمع الأموال والتبرعات ولا في إلقاء الخطب والكلمات , وإنما هناك أعمال أخرى يحتاجها من هو في أرض الميدان , وهي تثبيت القلوب وتقوية العزائم ورفع المعنويات , وخير من يقوم بذلك هم العلماء , فالمجاهدون في الميدان يحتاجون إلى أن يكون العلماء بجوارهم وبقربهم ليدعموهم بالدعم المعنوي المساوي للدعم المالي والحسي .


ابن تيمية يبين بوضوح الموقف الشرعي في تلك النوازل :


بلغت الأمة الإسلامية في وقت غزو التتار لها مبلغا عظيما من الضعف والهوان والتفرق , وبات الأمراء والملوك يتقاسمونها فيما بينهم ويستحوذون على خيراتها ومقدراتها , وأضحى الناس مغلوبين على أمرهم وخاضعين لهوى من يحكم ويتأمر عليهم .


ومع ذلك فحين دخل التتار بلاد المسلمين لم يتردد العلماء ومنهم ابن تيمية في وجوب محاربتهم والتصدي لهم , بل ابن تيمية يؤكد ذلك الوجوب , ويقول :"قتال هؤلاء واجب بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق المسلمين" ثم بين الأصول التي يقوم عليها ذلك الحكم , وجمع الأدلة الشرعية التي يعتمد عليها في فتواه .


وحين نزل الأعداء ببلاد المسلمين كتب كتبا كثيرة إلى أمراء المسلمين ومدائن الإسلام يحثهم فيها على الجهاد ويبين حقيقة الموقف الشرعي في تلك النوازل , وذكر أقسام الناس في تلك الفتنة فقال :" فهذه الفتنة قد تفرق الناس فيها ثلاث فرق: الطائفة المنصورة , وهم المجاهدون لهؤلاء القوم المفسدين , والطائفة المخالفة , وهم هؤلاء القوم ومن تحيز إليهم من خبالة المنتسبين إلى الإسلام , والطائفة المخذلة , وهم القاعدون عن جهادهم وإن كانوا صحيحي الإسلام , فلينظر الرجل أيكون من الطائفة المنصورة أم من الخاذلة أم من المخالفة".


وأشار إلى أهمية ولزوم الحفاظ على بلاد المسلمين وعلى مركزية الدولة الإسلامية , وأكد على أن أهل الشام ومصر في زمنه هم المقاتلون عن دين الإسلام وهم المدافعون عن حياضه , وأنهم أحق الناس دخولا في الطائفة المنصورة التي مدحها النبي صلى الله عليه وسلم , وبين أحوال المسلمين المزرية في بقاع الإسلام الأخرى : اليمن والحجاز والمغرب وأفريقيا , وأوضح ما فيها من الفساد والبعد عن الدين والوقوع في الشرك والمحرمات .


وأكد في كلام واضح جدا على أهمية ووجوب نصرة أهل الشام ومصر وعلى أن خذلانهم والتخلي عنهم من أعظم الخذلان للإسلام والمسلمين .


وفي أثناء غزو التتار لبلاد المسلمين وجهت إليه أسئلة متعددة عن تلك النازلة , ومن تلك الأسئلة سؤال مفصل يحكي شيئا مما وقع في ذلك الزمان مشابه لما يقع في زماننا هذا , فقال السائل :" ما تقول الفقهاء أئمة الدين  في هؤلاء التتار الذين قدموا سنة تسع وتسعين وستمائة وفعلوا ما اشتهر من قتل المسلمين وسبى بعض الذراري والنهب لمن وجدوه من المسلمين وهتكوا حرمات الدين من إذلال المسلمين وإهانة المساجد لاسيما بيت المقدس , وأفسدوا فيه , وأخذوا من أموال المسلمين وأموال بيت المال الحمل العظيم وأسروا من رجال المسلمين الجم الغفير وأخرجوهم من أوطانهم وادعوا مع ذلك التمسك بالشهادتين وادعوا تحريم قتال مقاتلهم لما زعموا من إتباع أصل الإسلام ولكونهم عفوا عن استئصال المسلمين فهل يجوز قتالهم أو يجب وأيما كان فمن أي الوجوه جوازه أو وجوبه أفتونا مأجورين".


فما كان من ابن تيمية إلا أن بين حكم الله في هذه القضية بكل وضوح وبين وجوب قتال هؤلاء وأن قتالهم ليس مما يقع فيه الخلاف بين المسلمين , وبين أنه يجب على أمراء المسلمين وغيرهم الوقوف ضد هؤلاء المعتدين ومحاربتهم وأكد على أن قتالهم من الجهاد في سيبل الله , وجمع النصوص الشرعية المتعلقة بالجهاد والمبينة لفضله وشرح وفصل وأصل وبين كثيرا من المسائل الشائكة المتعلقة بقتال أولئك الأعداء .


وابن تيمية في هذه المواقف يقوم بواجب من الواجبات المحتمة على العلماء في مثل هذه النوازل العظيمة النازلة بالأمة , فالأمة في مثل هذه الأحوال التي تسفك فيها الدماء وتنتهك فيها الأعراض وتقهر فيها النفوس وتسرق فيها الأموال وتخرب فيها الديار يحتاجون إلى مواقف واضحة من العلماء وجادة في بيان الحكم الشرعي , بحيث يكون فيها العلماء على قدر كبير من الشجاعة والوضوح والاتفاق والاستقلال الذاتي عن المؤثرات الخارجية فيبينون الموقف الشرعي ولو كان مخالفا لبعض السياسيات.


ابن تيمية يشارك في جهاد الأعداء بنفسه :


لم يكتف ابن تيمية بتلك المواقف الواضحة والبينة في مواجهة أعداء الإسلام والمسلمين , وإنما جمع مع ذلك أن قام بالاشتراك بنفسه في الجهاد ضدهم وبذل ماله ونفسه في سبيل الله , فقد كان حاضرا في أرض الوغى ومقاتلا في سبيل الله مع المجاهدين , وكان يدور على المقاتلين يحثهم ويصبرهم ويعدهم بالنصر , "وكان هو وأخوه يصيحان بأعلى أصواتهما تحريضا على القتال وتخويفا للناس من الفرار".


وفي هذا المشهد يقف ابن تيمية العالم الجليل في مثل هذا الموقف وهو من أقوى ما يزيد من معنويات المجاهدين في سبيل الله ومن أشد ما يقوي من عزائمهم , وهذا يؤكد على ضرورة وجود العلماء المعروفين في صفوف القتال وفي أرض المعركة , فكما أن في ذلك أجرا وثوابا من عند الله ففي فوائد معنوية وقتالية للمجاهدين في سبيل الله.


ومن خلال هذا الاستعراض المختصر لجهد عالم واحد من علماء المسلمين في وقت الأزمات التي تمر بها الأمة الإسلامية ينكشف لنا أن الأدوار التي يمكن أن يقوم بها العلماء في نصرة المسلمين ورفع الظلم عنهم متعددة المشارب ومتكاثرة الجهات , فليس جهدهم منحصرا فقط في جمع الأموال ولا في إلقاء الخطب والكلمات المنكرة لما يحدث في بلاد المسلمين , فمع أن ذلك واجب وهو أمر مهم , إلا أن هناك أدوارا أخرى تنتظر من يقوم بها منهم , فهناك الدعم المعنوي والإيماني للمجاهدين وهناك التوجه نحو الأمراء والملوك وحثهم على الجهاد في سبيل الله وإلزامهم ذلك , بل وتهديدهم وتخويفهم إن لزم الأمر , لأن مصلحة المسلمين يجب أن تكون مقدمة على كل مصلحة أخرى.


وإذا كانت تلك الأدوار لا يمكن أن يقوم بها عالم واحد بمفرده فإنه يجب أن يتجمع من علماء المسلمين العدد الذي تتحقق به تلك الواجبات , ومتى ما فرطوا في ذلك ولم يحرصوا على تجميع العدد المجزئ في تحقيق تلك الواجبات فهم آثمون عند الله تعالى لأنهم فرطوا في أداء واجب محتم عليهم.


ومتى ما قام العلماء بواجبهم وحققوا الأدوار المتعلقة بهم فإنهم فضلا عما يكسبون من الأجر العظيم عند الله وعما يؤدونه من الأمانة المناطة بهم وعما في ذلك من نصرة الإسلام والمسلمين ... فضلا عن ذلك كله فإنهم سيكسبون قلوب المؤمنين ويستحوذون على حبهم وتقديرهم , وفي هذا أكبر نصر للدعوة الإسلامية , ولمذهب الحق الموافق للسنة , فنتيجة لما قام ابن تيمية من مواقف مشهودة أحبه الناس وتعلقوا به ومالوا إليه ودافعوا عنه وقبلوا دعوته ورضوا بتوجيهه لهم وإرشاده إياهم.

http://taseel.com/display/pub/default.aspx?id=2990&ct=24&ax=5

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق